ابراهيم بن عمر البقاعي
296
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
ولما كان المغيّي على النهي عن قتالهم حينئذ ، صرح به في قوله : فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ أي هؤلاء الذين أمرتكم بالكف عنهم من المنافقين ، فكفوا عنكم فَلَمْ يُقاتِلُوكُمْ منفردين ولا مجتمعين مع غيرهم وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ أي الانقياد فَما جَعَلَ اللَّهُ أي الذي لا أمر لأحد معه بجهة من الجهات لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا * أي إلى شيء من أخذهم ولا قتلهم . و لما كان كأنه قيل : هل بقي من أقسام المنافقين شيء ؟ قيل : نعم ! سَتَجِدُونَ أي عن قرب بوعد لا شك فيه آخَرِينَ أي من المنافقين يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ أي فلا يحصل لكم منهم ضرر وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كذلك ، لضعفهم عن كل منكم . فهم يظهرون لكم الإيمان إذا لقوكم ، ولهم الكفر إذا لقوهم ، وهو معنى كُلَّما رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أي الابتلاء بالخوف عند المخالطة أُرْكِسُوا أي قلبوا منكوسين فِيها . ولما كان هؤلاء أعرق في النفاق وأردى وأدنى من الذين قبلهم وأعدى ، صرح بمفهوم ما صرح به في أولئك ، لأنه أغلظ وهم أجدر من الأولين بالإغلاظ ، وطوى ما صرح به ، ثم قال : فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ ولما كان الاعتزال خضوعا لا كبرا ، صرح به في قوله : وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ أي الانقياد . ولما كان الإلقاء لا بد له من قرائن يعرف بها قال : وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ أي عن قتالكم وأذاكم فَخُذُوهُمْ أي اقهروهم بكل نوع من أنواع القهر تقدرون عليه وَاقْتُلُوهُمْ . ولما كان نفاقهم - كما تقدم - في غاية الرداءة ، وأخلاقهم في نهاية الدناءة ، أشار إلى الوعد بتيسير التمكين منهم فقال : حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ فإن معناه : صادفتموهم وأدركتموهم وأنتم ظافرون بهم ، حاذقون في قتالهم ، فطنون به ، خفيفون فيه ، فإن الثقف : الحاذق الخفيف الفطن ، ولذلك أشار إليهم بأداة البعد فقال : وَأُولئِكُمْ أي البعداء عن منال الرحمة من النصر والنجاة وكل خير جَعَلْنا أي بعظمتنا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطاناً أي تسلطا مُبِيناً * أي ظاهرا قوته وتسلطه . وهذه الآيات منسوخة بآية براءة ، فإنها متأخرة النزول فإنها بعد تبوك . ولما بين أقسامهم بيانا ظهر منه أن أحوالهم ملبسة ، وأمر بقتالهم مع الاجتهاد في تعرف أحوالهم ، وختم بالتسلط عليهم ، وكان ربما قتل من لا يستحق القتل بسبب الإلباس ؛ أتبع ذلك بقوله المراد به التحريم ، مخرجا له في صورة النفي المؤكد بالكون لتغليظ الزجر عنه لما للنفوس عند الحظوظ من الدواعي إلى القتل : وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أي يحرم عليه أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً أي في حال من الحالات إِلَّا خَطَأً أي في حالة الخطأ بأن لا يقصد القتل ، أو لا يقصد الشخص ، أو يقصده بما لا يقصد به زهوق